عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
139
اللباب في علوم الكتاب
قال بعض المفسرين : « ابتدأ اللّه سبحانه وتعالى هذه السورة بالعطف على النساء والأيتام ، ذكر فيها أحكاما كثيرة ، وبذلك ختمها ، ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس والطّباع ، افتتحها بالأمر بالتقوى المشتملة على كل خير » . فصل [ في قوله : « يا أيها الناس » ] فصل روى الواحدي « 1 » عن ابن عباس في قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ أن هذا الخطاب لأهل مكة « 2 » . وأما الأصوليون من المفسرين فاتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلّفين ، وهذا هو الأصحّ ؛ لأن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق ، ولأنه علّل الأمر بالاتّقاء « 3 » لكونه تعالى خالق لهم من نفس واحدة ، وهذه العلة موجودة في جميع المكلفين . وأيضا فالتكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة ، بل هو عام ، وإذا كان لفظ الناس عاما ، والأمر بالتقوى عاما ، وعلة هذا التكليف عامة ، فلا وجه للتخصيص ، وحجة ابن عباس أن قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [ النساء : 1 ] مختص « 4 » بالعرب ؛ لأن المناشدة باللّه وبالرحم عادة مختصة بهم ، فيقولون : « أسألك باللّه وبالرحم ، أنشدك اللّه والرحم » ، وإذا كان كذلك ، كان قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [ النساء : 1 ] مختصا بالعرب ، فيكون قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ مختصا بهم ، لأن الخطابين متوجهان إلى مخاطب واحد . ويمكن الجواب عنه بأن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم الآية « 5 » . فصل [ في دلالة هذه السورة ] فصل اعلم أنه تعالى جعل هذا الافتتاح لسورتين في القرآن : أحدهما : هذه وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن ، وعلل الأمر بالتقوى فيهما بما يدل على معرفة المبدأ بأنه خلق الخلق من نفس واحدة ، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وحكمته .
--> ( 1 ) ينظر تفسير الرازي 9 / 128 . ( 2 ) ذكره السمرقندي في « بحر العلوم » ( 1 / 327 ) عن ابن عباس وتقدم تخريجه في سورة البقرة . ( 3 ) في ب : بلاتفاق وهو تحريف . ( 4 ) في أ : يختص . ( 5 ) فكان قوله « يا أَيُّهَا النَّاسُ » عاما في الكل ، وقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ خاصا بالعرب ينظر : تفسير الرازي 9 / 129 .